يحيى بن زياد الفراء

17

معاني القرآن

وقوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ . . . ( 19 ) مردود على قوله : « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً » . أَوْ كَصَيِّبٍ : أو كمثل صيّب ، فاستغنى بذكر « الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً » فطرح ما كان ينبغي أن يكون مع الصيّب من الأسماء ، ودلّ عليه المعنى ؛ لأن المثل ضرب للنفاق ، فقال : فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ فشبّه الظلمات « 1 » بكفرهم ، والبرق « 2 » إذا أضاء لهم فمشوا فيه بإيمانهم ، والرعد ما أتى في القرآن من التخويف . وقد قيل فيه وجه آخر ؛ قيل : إن الرعد إنما ذكر مثلا لخوفهم من القتال إذا دعوا إليه . ألا ترى أنه قد قال في موضع آخر : « يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ » « 3 » أي يظنّون أنهم أبدا مغلوبون . ثم قال : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ فنصب « حَذَرَ » على غير وقوع من الفعل عليه ؛ لم ترد يجعلونها حذرا ، إنما هو كقولك : أعطيتك خوفا وفرقا . فأنت لا تعطيه الخوف ، وإنما تعطيه من أجل الخوف ؛ فنصبه على التفسير ليس بالفعل ، كقوله جل وعزّ : « يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً » « 4 » . وكقوله : « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً » « 5 » والمعرفة والنكرة تفسّران في هذا الموضع ، وليس نصبه على طرح « مِنَ » . وهو « 6 » مما قد يستدل به المبتدئ للتعليم . وقوله : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ . . . ( 20 ) والقرّاء تقرأ « يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ » بنصب الياء والخاء والتشديد . وبعضهم ينصب الياء ويخفض الخاء ويشدد الطاء فيقول : « يَخْطَفُ » . وبعضهم يكسر

--> ( 1 ، 2 ) الأولى عكس التشبيه ، فالكفر مشبه بالظلمات ، والإيمان مشبه بالبرق . ( 3 ) آية 4 سورة المنافقون . ( 4 ) آية 90 سورة الأنبياء . ( 5 ) آية 55 سورة الأعراف . ( 6 ) يريد أنه قد يقرب المفعول لأجله للمبتدئ بما يصلح فيه تقدير من .